عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
448
اللباب في علوم الكتاب
أمّا ربا النسيئة ، فهو الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهليّة ، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلّ شهر قدرا معينا ، ويكون رأس المال باقيا ، ثم إذا حلّ الدّين طالبوا المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا « 1 » في الحقّ والأجل ، فهذا هو الرّبا الذي كانوا يتعاملون به في الجاهلية . وأمّا « ربا الفضل » فهو أن يباع منّ من الحنطة بمنوين منها ، أو ما أشبه ذلك . وروي عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - أنه كان لا يحرّم إلّا القسم الأول ، فكان يقول لا ربا إلّا في النّسيئة ، وكان يجوّز ربا الفضل ؛ فقال له أبو سعيد الخدريّ : أشهدت ما لم تشهد ، أو سمعت من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ما لم نسمع ! ثمّ روى له الحديث المشهور في هذا الباب ، ثم قال أبو سعيد : لا أواني وإيّاك ظلّ بيت ، ما دمت على هذا . ثمّ روي أنه رجع عنه . قال محمد بن سيرين : كنّا في بيت ، ومعنا عكرمة ، فقال رجل : يا عكرمة ، أما تذكر ونحن في بيت فلان ، ومعنا ابن عباس فقال : إنما كنت استحللت الصرف برأيي ، ثم بلغني أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حرّمه ، فاشهدوا أنّي حرمته ، وبرئت منه إلى اللّه . وحجّة ابن عباس أنّ قوله « وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ » يتناول بيع الدرهم بالدّرهمين نقدا ؛ وقوله : « وَحَرَّمَ الرِّبا » [ لا يتناوله ؛ لأن الرّبا عبارة عن الزيادة ، وليست كلّ زيادة محرمة ؛ بل قوله : « وَحَرَّمَ الرِّبا » ] « 2 » إنما يتناول العقد المخصوص المسمّى فيما بينهم ربا ، وذلك هو ربا النّسيئة ، فكان ذلك مخصوصا بالنّسيئة ؛ فثبت أنّ قوله « وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ » يتناول ربا الفضل ، وقوله « وَحَرَّمَ الرِّبا » لا يتناوله ؛ فوجب أن يبقى على الحلّ ولا يمكنه أن يقال إنما يحرمه بالحديث ؛ لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد ، وهو غير جائز وهذا هو عرف ابن عباس ، وحقيقته راجعة إلى أنّ تخصيص القرآن بخبر الواحد : هل يجوز أم لا ؟ وأمّا جمهور العلماء ، فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين ، أمّا القسم الأوّل ، ربا النّسيئة فبالقرآن ، وأمّا ربا الفضل ، فبالخبر ، ثم إن الخبر دلّ على حرمة ربا الفضل في الأشياء الستة ، ثم اختلفوا . فقال جمهور الفقهاء « 3 » : حرمة ربا الفضل غير مقصورة على هذه النسيئة ؛ بل ثابتة في غيرها بالعلّة الجامعة وقال نفاة القياس : بل الحرمة مقصورة عليها . فصل في سبب تحريم الربا ذكروا في سبب تحريم الرّبا وجوها :
--> ( 1 ) في ب : فلا يصبر عليه إلا إذا زاد . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : العلماء .